طباعة

المشاعر

 

ما أهمية المشاعر؟

إنّ للمشاعر أهمّية ودور محوري في حياة الإنسان كمعرفة نفسه والتحكّم بها، وتحديد احتياجاته الإنسانيّة الأساسية، والوقاية والحماية من المخاطر، والقدرة على اتخاذ القرارات، وبناء العلاقات والتواصل مع الآخرين وغيرها.

وقد تكون المشاعر هي اللغة المشتركة التي تفهمها الإنسانيّة جمعاء ولو اختلفوا في طريقة التعامل والتعاطي معها، ولا تكاد تخلو لحظة من لحظات أي إنسان منها.

هل المشاعر مهمّة للأطفال كما هي للكبار؟

لا تقلّ أهمّية المشاعر لدى الأطفال عنها لدى الكبار إذا لم تفوقها، فلكون قدراتهم الفكرية والعقلية ليست مكتملة النضوج، فهم يعتمدون اعتماداً أكبر على مشاعرهم وأحاسيسهم لمعرفة الأمور والتعرّف على بيئتهم وما يدور حولهم، ولذلك تلعب المشاعر لدى الأطفال دور الدرع الأوّل الذي يمتلكونه للمساهمة في وقايتهم وحمايتهم من الأذى، وللآباء دور أساسي في مساعدة أبنائهم في فهم تلك المشاعر ورسائلها والتعامل الأفضل معها لتقوية ذلك الدرع.

ما هي أنواع المشاعر؟

المشاعر قد تكون ايجابية كالفرح والثقة بالنفس والشعور بالعزّة والأمل والتحفيز والتقدير، وقد تكون سلبية كالخوف والقلق والحسد والإحباط والغضب والشعور بالذنب والشعور بالعار والحزن، ولا تقل المشاعر السلبية أهمّية عن المشاعر الإيجابيّة، فلكل منها فائدة ورسالة تعطيها صاحبها. ومعرفة الآباء والمربين بتلك المشاعر ورسائلها وتدريب أنفسهم وأبنائهم عليها يساهم في بناء شخصيات أبنائهم لتتحلّى بالذكاء العاطفي. (سوف تتناول موسوعة "كن حراً" للأسئلة والأجوبة أهم تلك المشاعر ورسائلها وكيفيّة الاستفادة منها في بناء شخصيّة الأبناء).

ما هي العوامل التي تساهم في مساعدة الأبناء على فهم المشاعر والاستفادة منها؟

هناك عوامل مختلفة يستطيع الآباء أخذها بالاعتبار لتساهم في فهم الأبناء لمشاعرهم والاستفادة منها في بناء شخصياتهم وتقويتها وحماية أنفسهم من الأذى، من أهمّها:

معرفة المشاعر بأسمائها: كثيراً ما تستخدم كلمات عامّة للتعبير عن الحالة التي يعيشها الشخص بدل تحديدها، كأن يقول "أنا أشعر بالضيق" وهذه قد تكون مشاعر خوف أو قلق أو إحباط أو غضب أو أي مشاعر أخرى سلبية، وذلك لا يساعد الأبناء في معرفة المشاعر وخصوصيّتها والتفريق بينها، والتي على أساسها يستطيع الأبناء فهم الرسائل التي تعطيهم إياها تلك المشاعر.

عدم تكذيب المشاعر السلبيّة أو التقليل من شأنها أو الاستخفاف بها: عادة ما يتمنّى الآباء أن يعيش أبنائهم بمشاعر إيجابيّة طوال حياتهم، ويميلون في الكثير من الأحيان لتكذيب المشاعر السلبية لدى أبنائهم أو التقليل من شأنها أو الاستخفاف بها، وذلك قد يكون لأسباب عديدة منها:

o اعتقادهم بأن لا مبرر لتلك المشاعر وأن الموقف أو الوضع لا يستدعيها.

o الشعور بالعجز عن معرفة أسباب المشاعر السلبيّة أو مساعدة الأبناء على تخطّيها.

o صعوبة التعامل مع المشاعر السلبيّة وتداعياتها.

o الشعور بالذنب بأن تلك المشاعر قد تكون انتابت أبنائهم على أثر تقصير منهم في أداء واجبهم تجاههم.

أنّ تكذيب المشاعر والاستخفاف بها يؤدّي إلى تشويش الأبناء خاصّة الأطفال دون سنّ المراهقة ممّا قد يعرّضهم للخطر والأذى. فمثلاً حين يشعر طفل بالانزعاج من زيارة شخص معيّن إلى منزله، ويفضّل أن لا يتواجد معه وحيداً، ويقول تلك المشاعر لوالديه، قد يقومون بتأنيبه ويصفون قوله على أنّه عدم احترام للكبير، فذات الطفل قد يكون في موقع آخر مع شخص معتدي، وتنتابه مشاعر الانزعاج وعدم الراحة تلك، ويقنع نفسه بأنّ تلك المشاعر ليست حقيقية وأنّ عليه أن يحترم الكبير، فلا يأخذ الخطوات التي تساعده على الابتعاد عن ذلك المعتدي، فيقع ضحيّة له. وقد يقول الطفل بأنّه خائف، ويردّ عليه والديه بأنّه لا يوجد ما يخيف وينتهي الموضوع عند ذلك، فهنا الاحتمال الأكبر هو أن لا يزول الخوف منه، ولكنّه يبقى بداخله وقد يتحوّل ذلك الخوف لصور أخرى مؤذية تؤثّر على شخصيّته.

أخذ خطوات لتبديل المشاعر السلبية إلى فرص تطوير:

المشاعر من أكبر النعم التي أنعمها الله تعالى على الإنسان. فالمشاعر الإيجابيّة تشعر الإنسان بالراحة والسعادة، والمشاعر السلبيّة تعطيه رسائل ودروس ترقيه إنسانيّاً إلى جانب تطوير المهارات والقدرات والعلوم وغيرها لديه. فمعرفة الرسالة التي تحملها المشاعر وأخذ خطوات فوريّة لتحويلها إلى فرص تطوير هي من أهم وأرقى ما يستطيع الآباء تعليم وتدريب أبنائهم في الحياة.

ربط المشاعر بالقيم الإنسانيّة:

الوصول إلى المشاعر الايجابية وتفادي المشاعر السلبية هي غاية بالنسبة للكثير من الآباء لأنفسهم ولأبنائهم، ومن الضروري أن تكون القيم الإنسانيّة حاضرة في العمل للوصول لهذه الغاية لكي لا ينجر الآباء والأبناء لتحقيق ذلك بأيّ ثمن كان. فالقيم تعمل عمل السور الذي لا يسمح لأيّ عمل يقوم به الإنسان في سبيل تلك الغاية بأن يؤذي غيره أو يقلّل من القيمة الإنسانيّة لنفسه أو للآخرين.

ما هي رسائل المشاعر؟

المشاعر، السلبية منها والايجابية، تعطي الإنسان رسائل تساعده على أن يعيش حياته بشكل متوازن وتحميه من المخاطر وتحفزه لأخذ خطوات تساهم في شعوره بالسعادة. إنّ معرفة الرسائل التي تعطيها أيّ من المشاعر تعزز الذكاء العاطفي لدى الآباء والأبناء.

ما هي رسائل الخوف؟

الخوف من المشاعر الأساسية لدى الإنسان، وهو يعني بأنّ هناك خطراً محتملاً يهدد حياة الإنسان أو أهله أو مصلحته، أو أنّه يوجد ما قد يجلب له الأذى أو يفقده ما يحب وما يهتم إليه، والرسالة التي يعطيها الخوف بناءاً على ذلك هي بأنّ على الإنسان أن يأخذ حذره، ويتهيّأ ويقوم بما من شأنه أن يدفع عنه ذلك الخطر. فالخوف ليس شيئاً نفسياً فقط بل يتفاعل الجسد مع الخوف أيضاً اعتماداً على درجة الخوف.

كيف تصل رسائل الخوف بطريقة خاطئة للأبناء؟

الخوف أحد المشاعر التي تساهم في حماية الأبناء من الاعتداء والأذى إذا كان الشعور في محله وكان التفاعل معه متناسباً. ولكن هناك من الآباء الذين يرون في الخوف مشكلة لدى الطفل، ويعتقدون بأن الطفل الذي لا يخاف هو الطفل الشجاع، فيساهمون دون قصد في تشويش شعور الخوف لدى أبنائهم بدل توجيهه إلى الجانب الذي يساهم في حمايتهم. فحين يقول الطفل بأنّه خائف من شيء وتكون ردة فعل والديه أن لا يوجد ما يستدعي الخوف، فإنّ الطفل قد يتعلم بأنّ ما يشعر به ليس صحيحاً، وهو ليس خوفاً أصلاً، مع أنّ ذلك لا ينفي وجود الشعور بداخله، فهنا يصعب على الطفل فهم مشاعره والتعامل معها كما هي. فحين يكون الطفل في وضع يشعر بأن هناك خطراً ما قد يحدق به، قد لا يعير مخاوفه اهتماماً، فلا يقوم بما يحتاج لحماية نفسه، ويقع عليه الضرر والأذى.فالأبناء الصغار مشاعرهم أكثر صفاءاً ولا تكون بها شوائب كثيرة، ولكن مع تقدمهم في السن والممارسات التي يقوم بها الآباء معهم، قد تتشوش مشاعرهم وتفتقد للدقة التي كانوا يمتلكونها سابقاً. فالأطفال غالباً ما يستطيعون أن يشعروا بأن شخصاً ما لمسهم بطريقة خاطئة وغير مريحة وأنّ عليهم الابتعاد عن ذلك الشخص، ولكن حين يشاركون ذلك الشعور مع آبائهم قد يفاجئوا برد فعل قاس إذ يعتقد الآباء بأن ذلك الشعور لا اساس له من الصحة وقد يتهمون الطفل بعدم احترام الكبير وإحراجهم، حتى ولو لم تتعد ردة فعل الطفل نقل مشاعره لوالديه.

كيف يمكن لرسائل الخوف أن تساهم في تطوير الذكاء العاطفي لدى الأبناء؟

من أهم الأمور التي تساهم في تعزيز الذكاء العاطفي لدى الأبناء وآبائهم هي فهم رسائل المشاعر وأهمها رسالة الخوف، وذلك لأنّ الخوف يتسبب في ضغوط على الإنسان بأي عمر كان، وقد يتصرف معه بشكل مبالغ فيه أو غير مدروس لحماية نفسه ودفع الضرر عنه، وقد يتسبب بتصرفه هذا بمشكلات أخرى لنفسه ولغيره. يستطيع الآباء أخذ دور هام مع أبنائهم في المواقف التي يشعر فيها الأبناء بالخوف سواء كانت مواقف يراها الآباء حقيقية كتلك التي تستند على أسباب واضحة كخوف طفل من شخص يعرف الآباء أنّه من الممكن أن يؤذيه ، أو أسباب قد يراها الآباء وهمية كخوف الأبناء من الظلام أو الشخصيات الخيالية. إنّ طريقة تعامل الآباء مع مخاوف أبنائهم، مهما كان نوعها، له دور في بناء قناعات الأبناء عن تلك المخاوف من جهة، وعن طريقة التعامل مع المخاوف جهة أخرى.فمثلاً حين يخاف أحد الأبناء من الذهاب للمدرسة لأنّه يخشى أن يناديه أستاذ العلوم للإجابة على سؤال ولا يستطيع الإجابة بشكل صحيح، يستطيع الآباء تقديم خدمة جليلة له في تدريبه على تحليل أسباب الخوف ومعرفة جذوره وأخذ خطوات في التعامل معه. ففي هذا المثال، يستطيع الآباء التحاور مع الطفل لمعرفة ما الذي يخيفه وما هي الدروس التي يعتقد بأن الأستاذ من الممكن أن يوجه سؤالاً منها، ويقومون بمساعدته في دراسة الجانب الذي يخاف أن يتم سؤاله ويتعثّر في الجواب، ويستطيعون أيضاً مساندته في تخطي مرحلة الخوف، وربما الحصول على بعض الاطمئنان والثقة كتشجيعه في الحصول على معلومات إضافية في ذلك الموضوع بالتحديد.إنّ فهم الأبناء رسالة الخوف في كل مرة يتعرضون فيها لهذا الشعور يساعدهم في فهم أنفسهم بشكل أعمق ومعرفة الجوانب التي تثير فيهم المخاوف والتفكير في طرق التعامل معها بشكل أفضل، كما تساعدهم في أن يتصرفوا وقت الخوف بشكل عقلاني بما يساهم في معالجة أسباب الخوف، وليس بشكل انفعالي بحيث يرسخ فيه الخوف بشكل أكبر، ويشعرهم بعدم القدرة على التحكم في الوضع.

ما هي رسائل الغضب؟

الغضب يعطي رسالة بأنّ أحد المعايير التي يعتقد الإنسان بأنّها مهمة بالنسبة له وأن على الآخرين مراعاتها قد تم انتهاكها. وهذه المعايير قد تكون متفقاً عليها إنسانياً كتوقع الصدق من الآخرين وعدم إلحاق الضرر، وقد يكون معياراً من صناعة الإنسان نفسه، وهي الغالبة. فهو يضع لنفسه معايير يرى أنّ التزام الآخرين بها يعني أنّهم قد احترموه وقدّروه وأعطوه المنزلة التي يستحق. فقد يتوقع تعاملاً بطريقة معينة ومراعاة لمشاعره بشكل محدد وأفعال وردود أفعال تصب في مجال معين، فعندما يتم تجاهل أي من ذلك أو لا يُنجز بالشكل الذي يتوقع، ينتابه الغضب.

كيف تصل رسائل الغضب بطريقة خاطئة للأبناء؟

الغضب من المشاعر التي لا تختص بالشخص الغاضب نفسه، بل عادة ما تنتقل لتصل للآخرين، وبالنسبة للأبناء فأنّ التأثير المباشر يقع من الغضب الذي ينتاب آباءهم ومربيهم وذلك لأنّهم يعتبرون السلطة المباشرة في حياتهم والمثل الأول لهم، وهم يتأثرون منها من جانبين رئيسيين:
مسببات الغضب: إنّ الغضب الذي ينتاب الآباء يعطي مؤشرات مختلفة للأبناء وذلك لا ينحصر فقط بالغضب الموجه ضد الأبناء بل يتعدى ذلك للغضب الموجّه ضد أي فرد من أفراد الأسرة، كالغضب الموجه من الزوج للزوجة أو العكس، أو الإبن الأكبر للأصغر. فإحدى الرسائل الخاطئة التي قد تصل للأبناء عن مسببات الغضب هي أنّ الذي بيده قوة أكبر في المنزل يستطيع أن يعبر عن غضبه على الشخص الذي يكون في موقع أضعف. ويظهر ذلك بصورة أوضح حين يزداد تواتر الغضب وحدته بازدياد ضغوط الحياة في تلك الفترة، كأن يكون للأب مشاكل في العمل ويغضب على أمور لم يكن ليغضب عليها في الظروف العادية، أو أن تكون الأم مثقلة بالمشكلات والأعمال ولا تتحمل من الأبناء أموراً كانت لا تثير غضبها سابقاً. فأحد الرسائل الخاطئة للغضب هي أنّه يحق لمن يمتلك القدرة على التنفيس عن غضبه للقيام بذلك وإن كان الشخص أو ما قام به لا يستحق الغضب أو تلك الدرجة من التعبير عنه أو لم تكن أسباب الغضب ترتبط به بشكل أساسي.
إنّ الكثير من الغضب الذي يكون في المنزل بين الآباء قد لا يكون متوقعاً أو لا تكون أسبابه معروفة لدى الأبناء. فمعايير الآباء ليست واضحة دائماً لأبنائهم وقد تكون متغيرة في أوقات مختلفة. فبعض الأمور قد تكون مدعاة لغضب الآباء في حين وفي أحيان أخرى تمر بسلام، وهذا يضع الأبناء في تحديات عديدة قد تؤثر على شخصياتهم بشكل مباشر أو غير مباشر، كعدم الشعور بالأمان فهم لا يعرفون متى سوف يحل عليهم الغضب أو أسبابه مما يجعلهم في حالة ترقب دائم.

التعامل مع الغضب: للآباء أيضاً دور أساسي في التأثير على أبنائهم في كيفية التعامل مع الغضب بغض النظر عن أسبابه. فحين يفتقر الآباء لمهارات التعامل مع الغضب والسيطرة على مشاعرهم، قد يقومون بأعمال مؤذية أو جارحة بحق أبنائهم أو آخرين تحت مرأى ومسمع وعلم أبنائهم. إنّ الآباء بذلك يوصلون رسائل خاطئة عديدة للأبناء منها بأنّه لا بأس بالخروج عن السيطرة في حال الغضب، ومن المقبول إيذاء الآخرين بالفعل أو الكلام حين يقومون بما يخالف معاييرنا.

كيف يمكن لرسائل الغضب أن تساهم في تطوير الذكاء العاطفي لدى الأبناء؟

تستطيع رسائل الغضب أن تساهم في تطوير الذكاء العاطفي لدى الأبناء وذلك من خلال استثمار الآباء لتلك الرسائل من خلال فهمها وتطبيق مفاهيمها والتفكير فيها وكذلك تدريب الأبناء عليها. والأسئلة التالية تساهم في إثارة المفاهيم والتفكير فيها وتقويم أجوبتها والقيام بالتغيير المناسب، والعملية برمتها تساهم في زيادة الوعي وتطوير الذكاء العاطفي:
1- التعرّف على المعايير التي أدى انتهاكها للغضب والتفكير في تلك المعايير وتقييمها والتأكد من أنها متلائمة ومناسبة ومبنية على أسس سليمة:
• هل تلك المعايير مبنية على أسس منطقية وإنسانية؟
• هل يعرف الطرف الآخر بمعاييرنا وما نتوقعه منه؟ هل من الإنصاف أن نتوقع ذلك منه؟ هل هو يعتقد بأنّها منصفة؟
• هل الطرف الآخر ملزم بتطبيق معاييرنا؟ إن كنا نعتقد ذلك، فما هو السبب الذي نستند عليه؟ وهل هو يعتقد بأنّه ملزم بتطبيقها؟
• هل نلتزم نحن بتلك المعايير التي نسنها ونتوقع من الآخرين مراعاتها؟ هل تلك المعايير صحيحة في جميع الأحوال والظروف؟
• هل تلك المعايير صحيحة ومتوازنة أم تحتاج إلى إعادة تقييم أو تعديل أو تغيير أو تبديل؟
• هل تضع معاييرنا الآخرين تحت ضغوط إضافية أو صعبة أو قاسية؟ هل تلك المعايير تجعل الآخرين يفضلّون عدم التعامل معنا والابتعاد عنا؟

2- التعامل مع الغضب:
• ما هو المعني الذي نعطيه للحدث حين نعتقد بأن أحد تلك المعايير قد تم تجاوزها؟
• هل تجاوز تلك المعايير تغضبنا إذا صدرت من أي شخص كان؟ هل يزداد غضبنا ويقل باختلاف الأشخاص؟
• هل حين نغضب نحاول أن نجد حلاً مناسباً للموضوع؟ هل يكون تركيزنا على إيصال استيائنا للطرف الآخر واثبات خطأه.
• كيف نستطيع أن نتواصل مع الآخر بشكل إنساني ومنطقي لنصل معاً لاتفاق على تفهّم تلك المعايير أو الوصول لمعايير مشتركة يقبلها الطرفان ونتفق عليها؟
• ما هو التصرف المناسب في حال لم يرَ الطرف الآخر ضرورة لتلك المعايير، أو يعتقد بأنّها مناسبة؟
• هل تجاوزنا القيم الإنسانية في طريقة تعبيرنا عن الغضب؟ هل تجاوزنا المعايير التي نحترمها ونتوقع من الآخرين احترامها؟ هل طريقة تعبيرنا عن الغضب تؤدي إلى وقوع أذى لمن له علاقة بغضبنا أو ذلك الذي ليس له علاقة؟

حين يتدرب الآباء على طرح تلك الأسئلة على أنفسهم قبل وبعد وأثناء الغضب وتدريب أبنائهم على ذلك، فهم بذلك يساهمون في معرفتهم لأنفسهم ولعواطفهم بصورة أكبر، ويستطيعون اختيار أفعالهم وردود أفعالهم بما يساهم في نمو ذكائهم العاطفي وبناء شخصياتهم.

ما هي رسائل الانزعاج؟

قد نشعر بالانزعاج من أمور نستطيع تحديدها وقد يكون من الصعب علينا تحديد مسبباتها بسهولة. وفي كلتا الحالتين فإنّ شعور الانزعاج يعطي رسالة بأن هناك شيئاً ما لا يمضي بشكل جيد. فقد تكون هناك أسباب مختلفة كأن نكون قد قمنا بعمل لا يتناسب مع قيمنا ومبادئنا، أو أنّ هناك وضعاً غير مريح بالنسبة لنا، أو أنّنا على وشك القيام بعمل لا نحبذ القيام به أو التواجد في مكان لا نشعر بالراحة من تواجدنا فيه. فالشعور بالانزعاج يعطينا إشارة بأنّنا بحاجة لتقويم الوضع الحالي، وقد نحتاج للقيام ببعض التغييرات في طريقة عملنا أو تفكيرنا أو نظرتنا للأمور أو المعاني التي نعطيها لما يدور حولنا.

كيف تصل رسائل الانزعاج بطريقة خاطئة للأبناء؟

شعور الانزعاج من المشاعر التي قد توصل رسائل خاطئة بسهولة. فالشعور بالانزعاج قد يفسر أحياناً على أنّه شعور آخر كالملل أو عدم الراحة أو القلق أو الغضب، في حين قد لا يكون هو كذلك ولا يكون هذا مبدأه وأساسه. والتحدي الأكبر في الشعور بالانزعاج هو أنّه كثيراً ما يبقى كما هو ولا يؤخذ بشكل جاد لأخذ خطوات للتفكير فيه والاستماع لرسالته الحقيقية، فيبقى الشعور ولكن قد يستبدل بكلمات عائمة مثل "أشعر بالضيق"، "ليس لدي مزاج"، "لا أود أن أقوم بأي شيء"، "لا أدري ماذا بي".
والنظرة لموضوع الانزعاج والتفاعل معه يتأثر بما لدى الفرد من معايير في التعامل مع نفسه ومع الآخرين. فقد يكون الانزعاج وضعاً مستمراً لساعات أو لأيام وعليه يتوقع من الآخرين مراعاته حين ينعكس ذلك على طريقة حديثة وتعابير وجهه وقلة صبره وتحمله لما يدور حوله. وقد يختار الآباء أن يكونوا كذلك فيراهم الأبناء في مزاج متعكّر أو يسمعوا حديثهم بنبرة عصبية أو يعاينوا قلة تحملهم وضيقهم لأمور صغيرة لا تعجبهم، وحين يسأل الأبناء عن سبب ضيق آبائهم قد يكتفون بالرد بأننا منزعجون أو متضايقون أو كلمات أخرى تصب في تلك المعاني. والوضع بأكمله يوصل رسائل مختلفة ومختلطة للأبناء منها بأنّه من المقبول الشعور بالضيق والانزعاج بسبب واضح أم من دون سبب واضح وتحميل الآخرين تبعاته من خلال طريقة التعامل والتفاعل معهم بدل من التعامل مع مسببات الانزعاج وحل الموضوع والرجوع إلى الوضع الطبيعي.

كيف يمكن لرسائل الانزعاج أن تساهم في تطوير الذكاء العاطفي لدى الأبناء؟

من أهم الجوانب التي من الممكن للانزعاج أن يساهم في تطوير الذكاء العاطفي من خلالها هي زيادة الوعي بالذات ومعرفة الأمور الصغيرة التي تؤثر في الإنسان، خاصة وأنّ الأمور الصغيرة هي التي تتكرر خلال اليوم وتساهم في أن يكون الإنسان أكثر وعياً في حياته. فيتعود على مهارة تقييم الوضع في جميع الأوقات واختيار الفعل ورد الفعال المناسب له والعمل على تصحيح الأمور التي لا تجرى في المسار المناسب. فيما يلي بعض الجوانب التي يساهم التفكير فيها وتدريب الأبناء عليها في إيصال رسائل الشعور بالانزعاج في تطوير الذكاء العاطفي:


  • هل نعرف ما نريد بالضبط أم أننا نريد أموراً متناقضة ونتركها متناقضة دون أن نصل لاختيار أحدها؟ مثلاً، نريد أن نعلم أبناءنا الاعتماد على النفس وأخذ القرارات في الأمور التي ليس بها خطر على حياتهم أو مستقبلهم، ولكن في نفس الوقت نريدهم أن يكونوا تحت سيطرتنا ويأخذوا القرارات التي نختارها نحن حتى ولو كانت في أمور صغيرة وكانوا هم غير مقتنعين بها.
  • هل أفعالنا التي تعودنا القيام بها وردود أفعالنا هي ما نود حقيقة أن نقوم بها وتشعرنا بالرضا عن أنفسنا؟
  • هل الطريقة التي نمضي بها وقتنا تتماشى مع أهدافنا ومعتقداتنا، أم أنّنا نميل لكي نمضي أوقاتنا في أمور، حتى وإن كانت جيدة، ولكنها لا تصب في الجانب الذي يساهم في تحقيق ما نصبو إليه؟
  • هل المعاني التي نعطيها والمشاعر التي نربطها بالأحداث الصغيرة واليومية متزنة أم أنّ بها مبالغة أو هي أكبر أو أصغر من الحجم الذي تستحقه؟

ما هي رسائل الشعور بالوحدة؟

من الممكن أن ينتابنا الشعور بالوحدة بين الوقت والآخر أو من الممكن أن يكون مزمناً خاصة حين لا يتم الاستماع لرسالته والتغاضي عنها. وقد ينتابنا الشعور بالوحدة حتى مع وجود أشخاص حولنا، فهو ينشأ حين يعتقد الفرد بأنّه يفتقر لوجود شخص أو أشخاص يستطيع معهم مشاركة أحاسيسه وأفكاره وآماله وطموحه ومخاوفه، وهذا لا يعني أن حقيقة هؤلاء الأشخاص غير موجودين حوله، ولكن يعني أنه لا يشعر في ذلك الوقت بأنّه يستطيع أن يكون قريباً منهم وأن يتواصل معم بأريحية. ومن أهم رسائل الوحدة هي أنّنا بحاجة لتواصل ذو نوعية إنسانية راقية مع الآخرين بحيث يحمل هذا التواصل ثقة وراحة وقدرة على الانفتاح لمشاركة بعض ما نحمله من أفكار ومخاوف وطموحات مع الآخر دون أن يصدر علينا أحكاماً قاسية أو غير مناسبة، بل تكون له القدرة على الاستماع والتشاعر معنا وتفهمنا. فالرسالة تدعونا للتفكير في تقييم علاقاتنا مع الآخرين وثقتنا بهم، خاصة أولئك القريبين منا، والعمل لبناء علاقات أكثر متانة.

كيف تصل رسائل الوحدة بطريقة خاطئة للأبناء؟

هناك العديد من الرسائل الخاطئة التي قد تصل للأبناء نتيجة الشعور بالوحدة. فكما يشعر الكبار بالوحدة فالأبناء أيضاً يشعرون بذلك ويكون الوضع بالنسبة لديهم صعباً أحياناً خاصة إذا كان ذلك متكرراً. فالأبناء بحاجة لشخص يثقون به ويستطيعون التحدث معه دون خوف وتوتر، وتكون تلك الحاجة أكثر إلحاحاً حين يتعرض الأبناء إلى مشكلة أو تحرش، أو يودون الحديث مع أحد ليشاركوه يوماً جميلاً أو حدثاً شيقاً حصل لهم، أو تكون لديهم أسئلة يودون لو يحصلون على إجابة لها يرضون بها فضولهم المتوقد. فحين يتكرر عدم تواجد ذلك الشخص في الأوقات التي يحتاجها الأبناء، قد يتولد لديهم شعور بأنّهم وحيدون ولا يوجد من يشاركونه ما بأنفسهم، فقد يلجئون لآخرين للتخلص من الشعور بالوحدة ويخاطرون بمشاركة ما لديهم أفراداً قد يتسببون بإيذائهم بقصد أو دون قصد. والأسوأ أنّهم قد يعتقدون بأنّ الغرباء هم الأكثر تفهماً وتواجداً لهم وقد يبنون قراراتهم وتصرفاتهم بناء على ذلك.

ومن الرسائل الخاطئة أيضاً أن يسعى الآباء لملء أوقات أبنائهم بأمور تسليهم أكثر من سعيهم لملء أوقاتهم بأمور تفيدهم، بحيث يصعب على الأبناء القيام بأعمال فردية كالقراءة أو بعض الألعاب الفكرية أو ممارسة الهوايات كالرسم أو يعتبر ذلك نوعاً من العقاب أحياناً عن طريق عزلهم عن الآخرين. فيتكون لديهم مفهوم بأنّهم إذا لم يكونوا محاطين بمن يلعبون معهم ويتسلون لوقت ما ولو لفترة قصيرة، فهذا معناه بأنّهم وحيدون ومن الطبيعي أن يشعروا بالوحدة، ويلزم عليهم أن يتسلوا دائماً مع آخرين.

ومن الرسائل الخاطئة الأخرى هي تلك التي تصل من خلال ما يتعلمه الأبناء من الكبار، خاصة الوالدين، والطريقة التي يعبرون عنها عن شعورهم بالوحدة، كملامة الآخرين وتحميلهم مسؤولية مشاعرهم. فبعض الكبار يعبرون عن تجاربهم غير الناجحة مع الآخرين على مرأى ومسمع من الأبناء خاصة حين يشعرون بالإحباط أو الملل أو الشعور بالوحدة، كأن يقولوا بأنّ الآخرين ليسوا جيدين كما توقعوا، أو أن الدنيا لم تعد كما كانت والناس قد تغيروا ولا يمكن الثقة بهم، وأن فلاناً الذي كان صديقاً لم يعد كذلك ومن الصعب الثقة به أو بالآخرين مجدداً. فيتعلم الأبناء أن الآخرين هم المسئولون عن شعورهم بالوحدة وهو نتيجة تقصير منهم وعدم التزامهم بالمعايير التي وضعها هو لطريقة تعاملهم وتواصلهم معه.

كيف يمكن لرسائل الوحدة أن تساهم في تطوير الذكاء العاطفي لدى الأبناء؟

الشعور بالوحدة فرصة مناسبة لكي يتقرب الآباء من أبنائهم ويتواصلوا معهم ويسمعوا لهم ويكونوا هم الأشخاص الذين يستطيع الأبناء أن يشعروا معهم بالراحة ويمنحوهم الثقة. ومن ناحية اخرى يمكن للآباء مساعدة أبنائهم في التعرف على معاييرهم التي وضعوها لأنفسهم للتواصل مع الآخرين والتي على أساسها يعتبرون البعض أصدقاءهم أو لا يعتبرونهم، ومن يولونهم الثقة ويشعرون بالراحة في التواجد معهم. فقد يكون الطفل قد مر بتجربة قاسية تركت أثراً ثقيلاً على قلبه، وتغيرت معها بعض المفاهيم والمعتقدات التي كانت لديه عن معنى الصداقة والثقة والتواصل مع الآخرين، كأن يكون قد تعرض لخداع أو إفشاء سر أو تشهير به أو معاملته بشكل غير جيد بأي طريقة كانت من شخص كان قد وثق به واعتبره صديقاً له. فيتمكن الآباء من العمل المشترك مع أبنائهم في تقييم تلك المعايير وإعادة تشكيلها لتكون متزنة.

كما ويستطيع الآباء أن يكون لهم دورٌ في مساعدة أبنائهم لكي يشعروا بالراحة حين يكونوا مع أنفسهم لبعض الوقت ويتمكنوا من القيام بأمور مفيدة وشيقة ولا يكون ذلك وقتاً مؤلماً أو مؤذياً أو غير طبيعي، لكي يتفادوا فهم أبنائهم لتواجدهم دون وجود من يلعبون ويتسلون معه لوقت ما، على أنّه شعور بالوحدة.

ومن أهم الأمور التي تساهم في ذكاء الأطفال العاطفي هي مساعدتهم بعدم تعميم شعور ناتج من تجربة أو وضع ما على أنّه من المتوقع أن يحصل دائماً، فإن مروا بتجربة أو وقت ما وانعزلوا لأي سبب وشعروا بالوحدة، يفكرون ويتعاملون مع الآخرين على أنّهم ليسوا أهلاً للثقة وليس من المناسب التواصل مع أحد لكي يحمي نفسه من تكرار ما حصل له سابقاً. فعدم التعميم هنا يبعد الأبناء عن إساءة الظن بالآخرين وعدم التركيز على أخطاء الآخرين وإعطائها حجماً أكبر من حجمها الطبيعي وتعميمها على جوانب أخرى من الحياة. والأهم تدفعهم لتحمل مسؤولية مشاعرهم بأنفسهم وعدم إلقائها على عاتق الآخرين وكأنّهم هم السبب بما يشعرون به من وحدة أو أي شعور آخر ينتج عن ذلك.