طباعة

التحفيز الذاتي

 

ما معنى التحفيز الذاتي لدى الأبناء؟

ممكن تعريف التحفيز الذاتي بصورة عامة على أنّه مقدرة الإنسان على تكوين دوافع ذاتيه تحفّزه للعمل والتطوير والتغيير الايجابي دون الحاجة لضغوط خارجية. ومجالات التحفيز الذاتي مفتوحة للأبناء كما للكبار، وهي تشمل جوانب مختلفة من حياتهم كالتطوير الشخصي والتحصيل الأكاديمي والعلاقات وتنمية القدرات والمهارات.

ما هي أهمية تعزيز التحفيز الذاتي لدى الأبناء؟

التحفيز الذاتي هو عامل مهم وأساسي للنجاح والتطور لدى الأبناء كما أنّه يساهم بشكل كبير في تحسين العلاقات بين الآباء والأبناء والجانب الدراسي مثالاً. فالكثير من أولياء الأمور يخاطبون أبناءهم بأسئلة عن يومهم الدراسي حين يفرغون من أشغالهم أو انشغالاتهم اليومية، كسؤالهم عن امتحاناتهم ودرجاتهم وانجاز واجباتهم، ولا يخلو عادة هذا الخطاب من الضغط عليهم للتفوّق والحصول على انجازات ومستويات تحصيلية عالية، وهذا ما لا يحبّذه غالبيّة الأبناء، بل قد يشعرهم بالرغبة في الابتعاد عن آبائهم في هذه الأوقات. ومع التحفيز الذاتي تقل حاجة الآباء لممارسة هذه الضغوط من جهة ويكون حديثهم مع أبنائهم بعيداً عن الأمر والنهي من جهة أخرى مما يحبب الأبناء في التحاور والتواجد مع آبائهم دون الخوف من التطرّق إلى ممارسة الضغوط عليهم وتذكيرهم المستمر لهم بضرورة الدراسة وبذل جهود إضافية. فحين يكون لدى الأبناء تحفيز ذاتي ، يعرفون هم لماذا يدرسون وما هي الفائدة التي سيجنونها من التعليم والحصول على درجات جيدة.

كما إنّ ممارسة هوايات مفيدة وعدم الاقتصار على مشاهدة التلفاز والإنترنت والألعاب الالكترونية مثلاً، هو أمنيّة للكثير من الآباء والتي من الممكن أن يساهم التحفيز الذاتي للأبناء في تطويرهم بشكل لافت ، فبدل الجدل الدارج في الكثير من البيوت عن عدد الساعات التي يقضيها الأبناء في الأمور التي لا يرى الآباء فيها فائدة لتطوير أبنائهم، يعرف الأبناء السبب الذي يجعل من الأفضل لهم ولمستقبلهم ولشخصيّاتهم أن يقوموا بأعمال تساهم في تطويرهم وتتعدّى فقط المتعة الآنية، فحينها هم يقومون بممارسة هويات مفيدة وجوانب تساهم في رقيّهم لأنهم على علم أنها أفضل لهم،وليس لأنّهم مجبرون تحت ضغط آبائهم، فيلتزمون به دون الحاجة للضغوط الممارسة من الآباء عليهم.

كيف يستطيع الآباء غرس التحفيز الذاتي لدى أبنائهم؟

من المفيد أن نتذكّر أنّه من الصعوبة بمكان تعليم الأبناء جوانب معينّة لغرسها في شخصيّاتهم في حين أنّ ثقافة الأسرة وممارساتها لا تدعم ما نحاول تعليمهم إيّاه، فمثلاً حين يكون الأب أو الأم أو كلاهما يستخدمان كلمات تنمّ عن فقدان السيطرة وفقدان الحماس للعمل وربّما للحياة، مثل "لا فائدة من المحاولة"، "لا أملّ"، "ملل"، فمن الصعب أن تزرع هكذا أسرة ثقافة التحفيز الذاتي لدى الأبناء. فحين يلاحظ الأبناء مثلاً بأنّ الأب يعطي رسائل مختلفة سواء كانت بترديد عبارات أو تعابير بأنّه يذهب إلى عمله كلّ يوم مكرهاً، وتردد الأم بأنّها قد تعبت من الأعمال التي تقوم بها وهي مجبرة، ويرى تثاقلهم في الأمور التي عليهم ممارستها وإنّهم لا يقومون بها لأنّهم يعتقدون بأنّها ضروريّة وحيوية، بل لأنّهم مجبرون تحت وطأة ضغوط الحياة مثلاً، فهنا يكون من الأسهل على الأبناء تبنّي هذا التثاقل فيما يتعلّق في الأمور التي هم مجبرون عليها كالدراسة مثلاً، فالأبناء قد يرون بأنّهم مسئولون عن الجانب الأكاديمي لهم سواء في حضورهم للمدرسة والمذاكرة والنتائج التي يحصلون عليها، تماماً مثل مسؤوليّة آبائهم في الذهاب للعمل وانجاز الأعمال التي يتوجّب عليهم انجازها، فثقافتهم في تحمل مسؤولية العمل تنعكس على أبنائهم، وفي هذه الحال هم لا يعطون أبناءهم مؤشّراً يدلّ على التحفيز الذاتي ويحرّك فيهم الدوافع اللازمة لذلك، بل مؤشّر عكسي يبعدهم عن ذلك التحفيز.

إنّ الطريقة الأسهل لغرس التحفيز الذاتي لدى الأبناء هي تبنّى الأسرة هذه الثقافة وأن يبدأ بها الآباء، فهذا يساهم في أن تنعكس هذه الثقافة على الأبناء ويسهل عليهم التعايش معها وتشرّبها في الأمور الصغيرة حتى تكون أسهل في التطبيق في الأمور الأساسيّة والصعبة، فعملية بناء دوافع ذاتية للتحفيز ليست عملية سهلة إذا اكتفى الآباء بإلقاء المحاضرات والنصح لأبنائهم بمعزل عن ممارستهم لها ليكونوا نموذجاً يحتذى به.

هل التركيز على العمل عوضاً عن نتائجه هي إحدى طرق التحفيز الذاتي للأبناء؟

بالفعل إن إحدى طرق تعزيز التحفيز الذاتي لدى الأبناء يتم بالتركيز على العمل الذي قاموا به، لا على نتيجة العمل. فقد يجتهد الأبناء ويعملون لكن النتيجة لا تكون جيدة، ولكن بمساعدة الوالدين يستطيع الأبناء أن يتعلموا من عملهم، ويستفيدوا من هذه التجربة.

أحياناً كثيرة يتم التعامل مع الأبناء وكأنهم يجب أن لا يخطأوا، فبالرغم من إدراك أولياء الأمور أن كل إنسان معرض للخطأ، إلا أنهم قد يجدون صعوبة في تقبل ذلك من أبنائهم، فهم يريدون أن يكون أبناؤهم مثاليين.

فمن الجيد أن يركز أولياء الأمور على السياق الذي حدث فيه الخطأ، هل حدث الخطأ لأن ابنهم تجاهل كلام والديه، أم أن الخطأ حدث نتيجة أنه جرب شيئا كان يعتقد أنه صحيح، ولكن النتيجة كانت غير ذلك. فالتركيز على العمل والكيفية التي تم بها، أهم من التركيز على نتيجة العمل، فبذلك يستطيع ولي الأمر أن يتعاون مع ابنه ليريه ويشرح له لماذا حصل على هذه النتيجة. فإذا كان اهتمام أولياء الأمور منصباً على النتائج فقط لأنهم لا يريدون أبناءهم أن يخطأوا فإن ذلك لن يساعد على الاستفادة من مواقف الحياة المختلفة لتعليم أبنائهم.

فالإنسان يمر بمرحلة طفولة طويلة، على خلاف الكائنات الحية الأخرى، وأحد أسباب ذلك أنه يحتاج هذه الفترة لكي يتعلم ويتدرب على فنون الحياة، فيتعلم كيف يفكر، وكيف يتصرف. فإذا كان الحرص منصباً على النتائج وليس على التعلم، فلن يعطى الأبناء فرصة للتفكير، وأخذ القرار وتحمل النتائج، بل سيكون التركيز على التفكير نيابة عنهم، واتخاذ القرارات التي تضمن النتائج المبتغاة، والتي قد تتحقق بالفعل لكن بدون أن يتعلم الأبناء شيئاً، ولا تحفزهم لتطوير عملهم.

ما هي الخطوات العملية التي يمكن من خلالها تعزيز التحفيز الذاتي عند الأبناء؟

إن التحفيز الذاتي لدى الأبناء يرتكز على رؤيتهم لأنفسهم بأنهم قادرون على الإنجاز والعطاء، ويستطيع أولياء الأمور أن يساهموا وبشكل كبير في ذلك. إن مجرد الانتباه إلى أهمية نظرة الأبناء لأنفسهم وأثرها في التحفيز الذاتي لهم، يفتح أمامهم مجالات واسعة لتطوير هذا التحفيز.

فيما يلي بعض الخطوات العملية التي تساعد أولياء الأمور في رؤية جوانب مختلفة تجاه تعزيز التحفيز الذاتي:

• تعزيز الثقة بالنفس: التحفيز الذاتي يحتاج إلى الثقة بالنفس، فالأبناء الذين لا يشعرون بالثقة بأنفسهم، تقل لديهم القدرة على تحفيز أنفسهم على القيام بأي عمل. فهم لا يرون أن لديهم أية قدرة، ويخشون من الفشل، وتبدو الأمور كبيرة وغير ممكنة بالنسبة للصورة التي يحملونها عن أنفسهم. أما الأبناء الذين يتمتعون بثقة عالية بأنفسهم، فإنهم أقدر على تحفيز أنفسهم، ومواجهة التحديات التي قد تعترض طريقهم.

وأحد الأمور التي تؤثر في ثقة الأبناء بأنفسهم هو الكلام الذي يسمعونه من والديهم، فالوالدان هما الجهة الأولى التي من خلالها يشكل الأبناء صورتهم عن أنفسهم. فإذا كانت الكلمات التي تستخدم مع الأبناء هي كلمات تقلل من شأنهم، أو بها إهانة أو تحقير، فإن ذلك لن يساعدهم على تنمية التحفيز الذاتي، بل سيجعل القيام بالأعمال أكثر صعوبة، فهم سيحتاجون إلى التحفيز ليس لأداء العمل فقط، بل لمواجهة الصور السلبية التي كونوها عن أنفسهم أيضاً، في حين أن الأبناء الذين يمتلكون ثقة بأنفسهم فإن التحفيز الذاتي سيكون أكثر سهولة بالنسبة لهم.

• المحبة والاهتمام: إن تعزيز شعور الأبناء بأنهم محبوبون من قبل والديهم، وأن والديهم يهتمان بهم يساعدهم على تكوين قاعدة سليمة يستطيعون الانطلاق منها، كما ان هذه العلاقة الحميمة تشكل صمام الأمان للأبناء، فهم يعلمون أنه مهما واجههم من تحديات فإن هناك من يحبهم ويهتم بهم ويستطيع مساندتهم.

• تجنب مقارنة الأبناء بالآخرين: قد يلجأ بعض أولياء الأمور إلى مقارنة أبنائهم بالآخرين ظناً منهم بأنها وسيلة لتحفيز أبنائهم، إلا أن للمقارنة مع الآخرين تأثيراً سلبيا جداً على الأبناء، فهي غالباً ما تسبب الإحباط أو تشعر الأبناء بأنهم أقل من الذين تمت مقارنتهم بهم. كما أنها تحفز مشاعر سلبية تجاه الطرف الآخر. إذا اقتضى الأمر المقارنة، فالأفضل مقارنة الأبناء بأنفسهم، مثلاً بتذكيرهم بانجاز معين قاموا به والشعور الذي خلفه هذا الإنجاز لديهم، أو بعمل صعب عليهم لكنهم استطاعوا القيام به.

• الإيمان بقدرة الأبناء: عندما يعتقد الوالدان أن أبناءهم قادرون على الإنجاز بأنفسهم، فإنهم بذلك يضعون اللبنات الأولى تجاه تعزيز التحفيز الذاتي لدى أبنائهم. إن الأبناء يتأثرون وبدرجة كبيرة بمدى ايمان والديهم بقدراتهم، وكثيراً ما يعطيهم هذا الإيمان دفعة كبيرة من التحفيز للقيام بالأعمال، والذي يتحول مع الوقت إلى إيمان قوي بقدراتهم، ويساعدهم على مواجهة التحديات التي قد يواجهونها.

• المساعدة على رؤية فائدة الأعمال وآثارها: إن مساعدة الأبناء على رؤية فائدة العمل الذي يقومون به وانعكاسات تأثيره على الآخرين، ينمي لديهم النظرة الأبعد من مجرد العمل ذاته، فهم عندما يريدون القيام بعمل معين لا يرون انه عمل وتم فقط، بل يستطيعون رؤية تأثير هذا العمل على الآخرين، مما يحفزهم ذاتياً لإتمام العمل بأكمل وجه.

• تشجيع روح النجاح: أحد النواحي التي تغذي التحفيز الذاتي هو الشعور بالنجاح، لذا فإن تشجيع روح النجاح لدى الأبناء يشعل فتيل شغفهم بالإنجاز، ويصبح التحفيز ذاتياً. وهناك طرق كثيرة ومختلفة لتشجيع هذه الروح، منها مساعدة الأبناء على الشعور بالنجاح جراء انجاز أعمال معينة، وبتراكم الإنجازات يزداد السعي للنجاح في إنجازات أخرى.

• سعي الوالدين لتحفيز أنفسهم: يتعلم الأبناء التحفيز الذاتي بصورة أفضل، عندما يرون سعي آبائهم إلى تحفيز أنفسهم ويبذلون بعض الجهد في ذلك. فعندما يؤدي أولياء الأمور أعمالهم بتثاقل، وبشعور يغلب عليه الضجر، فإن ذلك ينعكس على الأبناء، في حين أن الأبناء سيتعلمون من آبائهم التحفيز الذاتي كلما رؤوا آباءهم يحفزون أنفسهم لأداء أعمالهم بانشراح وعزم.