طباعة

حياتنا وحياة أطفالنا

أ. فضيلة حماد

زماننا وزمانهم، حياتنا وحياتهم، عالمنا وعالمهم، كلماتٌ نداولها بيننا فتُشكل عائقاً كبيراً في تربيتنا لأطفالنا، فهل خُلقوا لزماننا أم لزمانهم؟ هل نُريدهم أن يعيشوا حياتنا أم حياتهم؟ هل هناك اختلاف بين عالمنا وعالمهم؟ أسئلةٌ كثيرة تُراودن كآباء أثناء تربيتنا لأطفالنا،وإجاباتها تختلف باختلافنا كأشخاص، واختلاف نمط تفكيرنا، واختلاف المعيشة التي عشناها.

ولكلٍّ منا دواعيه وأسبابه في اختيار التربية التي يريد أن يجعلها منهج حياة لأطفاله، والمشكلة ليست في اختلافنا في تربيتهم، إنّم تكمن في ارتباطها فيما حُرمنا منه في طفولتنا، فترانا نفكر ونخطط لنجنبهم النقص والحرمان متجاهلين اختلاف التحديات بين زماننا وزمانهم.

فمن عاش حياة الفقر والحرمان تجده يريد أن يعوِّض أطفاله بأن يوفر لهم المال الكثير حتى ولو اضطر ليحمّل نفسه فوق طاقتها، ناسياً تأثير ذلك عليهم، ومن عاش حياةً مؤلمة فهو ينتظر اللحظة التي يعوِّض فيها أطفاله عن الألم الذي عاشه، بتوفير كل العطف والحنان الذي افتقده، فينتج عن ذلك أبناء غير قادرين على مواجهة أقل المشكلات.

ومن حُرم من اللعب يوفّر لأطفاله ما طاب من الألعاب ليحصد أطفالاً لا يشعرون بقيمة الأشياء الثمينة من حولهم، ولا يقّدرونها، وترى البعض من يُريد أن يعوض نقصه من الدراسة التي حُرِم منها، والتخصص الذي كان يرغب في الالتحاق به، فمن لم يلتحق بالتخصص العلمي يُصّر على أن يُلحق ابنه بهذا التخصص ليرتاح ويحقق أمنيته في ابنه.

وهكذا كلٌّ يُريد أن يهرب من صورته الناقصة فيصب النقص فيهم بطريقة أخرى!

حتى انك لترى البعض من أبنائن يريد أن يحقق أمنية طالما تمناها لكن والده يرفض ذلك، وعندما تُوجه سؤالك لهذا الأبيذكر السبب ببساطة قائلاً لقد كنت راغباً في هذا التخصص أو راغباً في أن أكون طبيباً ولأني لم أحقق ذلك علي أن أجعل ابني يصبح طبيباًوقد عملها الكثير

وأتساءل هل حقق الأب رغبة ابنه فعلاً أم حقّق رغبته وسد نقصه الذي طالما تمنى أن يُكمِلَه في ابنه؟

لماذا يا تُرى يحصل هذ؟ وهل خُلقوا لزمانهم أم لزماننا ؟

لنرجع قليلا للوراء ونرى اختلاف عصرنا عن عصرهم، فنحن عشنا حياة البساطة،عشنا عصراَلا توجد به الكثير من التحدّيات التي في زمانهم، خالٍ من التقنيات الحديثة بآثارها السيئة، فلندعهمليحيوا حياتهم بما فيها من تحديات وصعوبات، ولنقم بدورنا فيغرسالمهارات والقيم، وبناء الشخصية الواثقة والقادرة على تحمل المسؤولية. فنحن لا يمكننا أن نعوِّض نقصنا الذي نشعر به، لأن ما فقدناه في صغرن -سواء أكان اللعب أو المال وحتى ولو قيّماً كالمحبة مثلاً- لا يمكننا أن نعوّضه في أطفالنا إلا إذا كان نابعاً من منهاج حياة قد عهدنا أنفسنا للسير عليه وليس لتعويض نقص لأننا بالتعويض يمكننا الإفراط فيه فيصبح دلالاً زائداً.

وأطفالنا أمانةٌ بين أيدينا، واجبنا أن نكون على وعيٍ باحتياجاتهم متجاهلين طفولتنا التي عشناها، فمسؤوليتنا تجاه هذه الأمانة هي إعدادهم لحياة قادمة محصّنين بالقيم والمهارات التي تجعل حياتهم جميلة، ليعيشوا في تناسقٍ وانسجام، ويشعروا بالقوة التي تساعدهم على التمييز بين الخير والشر حتى وان لم نكن معهم.

الأحرى بنا أن نربيهم لزمانهم وليس لزمانن فانهم خلقوا لزمان غير زماننا.