د. سرور قاروني
أخبرت الأم أولادها بأنّ أحد أقاربهم سيأتي لزيارتهم اليوم، فسعد الجميع ما عدا ليلى. لاحظت الأم ملامح ابنتها والتي لم تستطع ان تميّز تحديداَ إذا ما كانت ملامح غضب أو حزن أو خوف، فهي كانت خليطاً من كلّ ذلك. قالت لها أمّها بصوت به استغراب مُستنكر: ما بك؟، كلّ مرّة يأتي هذا الضيف إلى منزلنا يصبح وجهك هكذا، لا أعرف متى ستتعلمين الأدب واحترام الناس. فردّت الطفلة: لا شيء، وواصلت مشاهدة التلفاز.
بعد ساعة، ترددت ليلى بالقرب من أمّها في محاولة لإيجاد فرصة تتخطّى من خلالها حاجز الخوف لتبدأ الحديث، ولكنّ انشغال أمّها بالاعداد للضيوف كان أكبر من أن تستطيع الالتفات لنظرات ابنتها ومحاولة التواصل معها، ولم تنتبه إلا بعد أن انخرطت الفتاة بالبكاء متوسّلة لأمّها بأن تسمح لها بالبقاء في غرفتها عند وصول الضيوف. حاولت الأم التغلّب على غضبها وحيرتها، وأخذت ابنتها على انفراد وخاطبتها بصوت حان: ما الذي يُزعجك في هؤلاء الأقرباء؟، فقالت الإبنة بأنّها في السابق كانت تتضايق من لمساته التي بدأت عاديّة جدّاً كلمس يديها، وبعدها اصبح يلمس مناطق أخرى من جسدها تبدو أيضاً عاديّة ككتفيها، وكانت تشعر بالانزعاج الشديد منها جميعاً، وتدرّج بذلك إلى أن حاول في آخر زيارة له أن يلمس مناطق خاصّة جدّاً.
قصّة ليلى هي قصّة الكثير من الأطفال، والتي بها جانبان، الأوّل: تعامل الوالدين مع ما يقوله أبناؤهم من المخاوف والمشاعر التي تنتابهم تجاه الآخرين، والذي هو بحدّ ذاته موضوع دقيق يحتاج الطفل فيه إلى عناية خاصّة وتعامل واع للتمكّن من معرفة الوضع وتقييمه بشكل سليم دون انفعال، وهذا ما سيتم التطرّق إليه في مقال آخر. والثاني: أهمّية تعرّف الأطفال على أنواع اللمسات وكيفيّة التعامل معها، وهو ما سيحاول هذا المقال تسليط الضوء على بعض النقاط الأساسيّة فيه.
يتعامل الأطفال مع اللمس بشكل مستمر من أشخاص مختلفين، فمنها اللمسات الحانية من والديهم، واللمسات الاعتياديّة في التعاملات اليوميّة في البيت والمدرسة، واللمسات المهنيّة كتلك التي يمارسها الأطبّاء، واللمسات العشوائيّة التي غالباً ما تكون مع أصدقائهم أو آخرين من خلال اللعب، واللمسات غير المقصودة والتي تقع عن طريق الصدفة. وأغلب هذه اللمسات هي جزء من حياتهم، وشعورهم يتراوح بين الجميل والمريح إلى العادي، ولا ينتابهم من خلالها إرباك أو أذى، وهي ما يمكن تسميتها باللمسة الجيّدة.
وهناك لمسات قد تبدو ظاهريّاَ متطابقة تماماَ مع اللمسات الجيّدة، ولكنّها تختلف في جوهرها اختلافاً كبيراً، فيستشعر الطفل من خلالها بالإنزعاج والإيذاء والرغبة في الابتعاد الفوري، وهي ما يمكن تسميتها باللمسة السيّئة.
لدى الكثير من الأطفال قدرة على التمييز بين اللمسة الجيّدة واللمسة السيّئة، وتزداد تلك القدرة بمستوى ثقة الطفل بإحساسه. ومع أهميّة قدرة التمييز هذه، إلّا أنّها لا تستطيع حماية الأطفال ما لم يتوفّر لديهم عنصران أساسيان، الأوّل: مهارات التصرّف في الأوقات الصعبة، والثاني: التواصل مع شخص بالغ كأحد الوالدين للحماية وإيجاد الحلول.
الكثير من الأطفال يواجهون مشكلة جادّة في أخذ الخطوة الثانية بعد ما يقول لهم إحساسهم بأنّ تلك اللمسة هي لمسة سيّئة، فالطفل الذي لم يتعلّم التصرّف بشكل جيّد في مثل هذه المواقف، قد يرتبك ويخاف، ولا يتصرّف بالشكل الذي يُساهم في حمايته، وقد يجد صعوبة في التعبير عمّا واجهه والبوح عن مشاعره لوالديه مثلاً، خاصّة إذا كان ذلك الشخص مقرّباً منهم، والذي غالباً ما يكون، وقد يخشى من عدم تصديقهم لما يقول أو الاستخفاف بحديثه. ففي جميع تلك الحالات، المتضرّر الأوّل والرئيسي هو الطفل لعدم حصوله على الدعم الأساسي الذي يحتاجه لحمايته.
يحتاج الأطفال في جميع مراحل حياتهم إلى جانبين أساسيين مهمين لحمايتهم، الجانب الاوّل هو تعزيز ثقتهم باحساسهم واعطائهم المهارات العمليّة البسيطة في التصرّف دون تخويف أو تهويل، ومن جانب آخر، التأكّد من وجود قناة حوارية مع والديهم أو المسؤولين عن رعايتهم، بها من المحبّة والتسامح وحسن الاستماع والتشاعر ما يُشعرهم بالأمان لمشاركة مخاوفهم دون الخوف من غضبهم، أو القلق من الاستخاف بما يقولون أو تسخيفه، وهذا لا يعني أنّ كلّ طفل كان لديه شعور غير جيّد تجاه لمسة ما أنّ ذلك الشخص أراد الاعتداء عليه أو التحرّش به، ولكن بالتأكيد يعني أنّ هناك شيئاً هاماً يُزعج الطفل يستحق العناية والاهتمام الفوريين والجادين.