أ. ذكريات سند
كانت جدتي رحمها الله تحدثنا لمّا كنا صغاراً عن أشباح وعفاريت عبر نسيج من القصص الفلكلورية، الممزوجة بخيال السلف الواسع، ولا أخفي عليكم كنا نخاف من أم الخضر والليف ومن القطة السوداء الجنيّة الكبيرة، وغيرها من القصص، وتحذيرات جدتي كانت تلاحقنا من كل هذه الأشباح لنأخذ حذرنا منها.
ولكن، حينما نتذكر هذه القصص اليوم نضحك على أنفسنا كيف صدّقنا هذه القصص؟
كانت الحياة حينها هادئة، بسيطة، كنّا نلعب بحب وسلامٍ مع جيراننا الأطفال، وتتسامر أمهاتنا ليلاً بنقل الأهازيج والقصص، وباب الجار مفتوحٌ على جاره، لا خوف لا فزع، كلٌّ يعيش في تناغم مع من حوله رغم قسوة الحياة الاقتصادية وبساطتها.
كان خوفنا الكبير هو من تلك الأشباح التي تحذرّنا منها جدتي، ولكن يا جدتي لم يعد الحال اليوم كما هو بالأمس، صحيحٌ أن أطفالنا ببراءتهم يحبون المضي على درب الماضين بلعبهم في أزقة مدينتهم أو قريتهم مع أصدقائهم كما كنّا نفعل، آمنين مطمئنين، ظنّاً من هؤلاء الأطفال أنه لا توجد أشباح تحاصرهم كما كنا حين نلعب صغاراً، فقد كفل لهم العلم والتعلّم أن يعرفوا أن هذه الأشباح هي أشباح وهمية لا أساس لها، ولكنهم من ناحية أخرى لم يعرفوا أن أشباحاً حقيقة قد توّلدت بين أزقة منازلهم تحاصرهم وهم لا يشعرون، يمشون بينهم، يرمقونهم، يتودّدون لهم، لم تعد أشكالهم بشعة كما كانت أشباحنا الوهمية، لباسهم كلباس الناس العاديين، يمشون في الأسواق والمجمعات والحدائق، في الطرق المختلفة، إنهم شريحةٌ قلة، أشباحٌ يعيشون بين شريحة أكبر من الناس الطيبين.
لم تنتهِ القصة هنا يا جدتي، هؤلاء الأشباح الحقيقيون، صارت لهم مخالب وصارت لهم أجنحة وريش، يطيرون هنا وهناك، يبحثون عن فريسة ضعيفة ليصطادونها بين أزقة الشوارع، بين ممرّات المنازل يا جدتي!
حديث الاعتداء الجنسي على الأطفال قديم حديث، قديمٌ بوجود الظاهرة، حديثٌ بمعطياته وتداعياته وتوسّع دائرته، فهو ليس محصوراً في مكان أو زمان، كالمرض المعدّي الذي يتفشّى بسرعة ليعم العالم أجمع. ولكن لعلّ الفرق بينه وبين المرض المعدي الذي شغل العالم (انفلونزا الخنازير)، أنه وباء ليس من الإنسان على أخيه الإنسان، بل من الحيوان، وهنا تكون المفارقة!
فالاعتداء الجنسي وباءٌ متفشٍ لكنه من جنس الإنسان على صغيره الضعيف الإنسان، فضلاً عن أن المرض الوبائي تتهافت له الحكومات والمؤسسات المدنيّة وغير المدنية والمنظمات الصحية والأفراد، كلٌ يتأهب له إما للوقاية منه، أو لمنعه من الانتشار ومحاصرته بشتى الوسائل والإمكانيات وبكافة السبل. وهذا مطلبٌ مطلوب، بل إنه واجب إنساني قبل أن يكون مهنيا. وقد ينتهي الوباء إثر المعالجة بوقت قصير، أما الاعتداء الجنسي فإنه وباء صامت آثاره تصاحب الطفل سنوات طويلة خاصة إن لم يتلق الطفل العلاج والتأهيل المناسب.
فالاعتداء الجنسي قدر له قدر الصمت، قلة تتهافت عليه، لحله والتفكير في مواجهته ومكافحته، أو الحديث عنه، فمسرحيات الاعتداء بدأت تنتشر وتتكاثر، اعتداءٌ هنا، واعتداءٌ هناك، واعتداء اليوم وغداً، المسألة لم تعد مزحة، لم تعد أشباحاً وهمية كأشباح جدتي، المسألة صارت خطيرة، كل أطفالنا صاروا معرّضين لنفس الأشباح لنفس الخطر.
تبدّل حالنا اليوم ولم يعد كأمس، صارت دول القانون والتشريعات والمواثيق الدولية تقيس تقدّمها بمدى تطبيقها لمواثيق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ومدى التزامها بها.
إنَّ الحاجة اليوم لقانون لحماية الطفل من الاعتداءات، ليست من الحاجات الترفيهية، بل من الحاجات الأساسية كحاجاتنا للتعليم والأكل والشراب، وهي حاجات حقوقية، سنّتها اتفاقية حقوق الطفل في موادها.
القانون هو الذي سوف يواجه وباء الاعتداء الجنسي ويحدّ منه، لأنه ما لم يكن قانون فالمعتدين دون رادع يردعهم، أشباح يمشون، يتطايرون، يعتدون دون أن ينالوا جزاءهم، عفاريت تسحق الطفولة بأكُفِّها.
وقد آن للطفولة أن تعيش على كف الأمن والسلام، عبر سنّ قوانين تحميها، تحمي براءة الأطفال الذين هم شباب الغد.. رجال المستقبل.